ابن سبعين
26
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
الوجود مشترك بين القلم الأعلى الذي هو أول موجود المسمى بالعقل الأول ، وبين سائر الموجودات ؛ إذ ليس ثم إلا الحق والعالم ، العالم ليس بأمر زائد على حقائق معلومة الحق أولا متصفة بالوجود ثانيا انتهى منه بلفظه . وقد تعرض في « جواهر المعاني » في الفصل الثالث من الباب الخامس نقلا عن شيخه أبي العباس التجاني لإيضاح هذه الوحدة ، وبيانها على مذهب القوم ، وإبطال ما قاله أهل الظاهر من إحالتها ، وإبطال ما ألزموه لمن قال بها ، وهو أنها تستلزم تساوي الشريف والوضيع ، واجتماع المتنافيين والضدين إلى غير ذلك مما قالوه . وحاصل كلامه : إن العالم الكبير كذات الإنسان في التمثيل ، وهي إذا نظرت إليها وجدتها متحدة مع اختلاف ما تركبت منه في الصورة والخاصية ، وما ذكروه لا يلزم ؛ لأنه وإن كانت الخواص متباعدة ، والأحكام مختلفة ، فالأصل الجامع لها ذات واحدة كذات الإنسان ، سواء بسواء ، وأيضا فلوحدته وجه ثان وهو اتحاد ذاته في كونه مخلوقا للّه تعالى ، وأثرا لأسمائه وصفاته ، فلا يخرج فرد من أفراد هذا العالم عن هذا العالم عن هذا الحكم ، وإن اختلفت أنواعه ، فإن الأصل الذي برز عنه واحد ، ووجه ثالث ، وهو اتحاد وجوده من حيث فيضان الوجود عليه من حضرة الحق فيضانا متحدا ، ثم اختلفت خواصه وأجزاؤه بحسب ما تفصل ذلك الوجود ، فإنه يتحد في عين الجملة ، ويفترق في حال التفصيل . راجع كلامه ، وراجع أيضا كتاب « الجامع » لابن المشري ، فإنه تعرض فيه أيضا لهذه الوحدة وبيانها نقلا عن شيخه المذكور . الثالثة : وحدة الوجود الذي به يتحقق حقيقة كل موجود ، وهي وحدة الحق سبحانه ، ومعناها أن الوجود من حيث هو حقيقة واحدة ، وهي للّه تعالى وحده لا مشارك له فيها ، فهو الموجود على الإطلاق ، ووجود هذه الكائنات إنما كان باستنادها إليه ، واستمدادها منه ، واستنشاقها لروائح الوجود من وجوده ، وإشراق شعاع وجوده عليها ، فهي موجودة بهذا الوجود الذي له تعالى لا بوجود آخر ثان ، فلم تكن غيرا من كل وجه ؛ لأن الغير في عرفهم هو الذي يكون له الوجود من ذاته ، ويتصور أن يكون له بنفسه قوام ، وهي وجودها ليس من ذاتها ، ولا يتصور أن يكون لها قوام بنفسها .